في ديسمبر من كل عام، تتحول أنظار الملايين من عشاق كرة القدم في الوطن العربي والعالم نحو منافسة استثنائية تجمع أشقاء تحت سقف الشغف نفسه. إنها بطولة كأس العرب، التي تُقام حاليًا على أرض قطر في نسختها الحادية عشرة. لكن هذه البطولة التي نراها اليوم بكل حُلةها العالمية لم تولد بهذا الحجم؛ فقد شقت طريقًا طويلًا من الفكرة البسيطة إلى "مونديال العرب" الحالي.
البدايات: حلم لبناني يتحقق
انطلقت الشرارة الأولى لفكرة بطولة تجمع المنتخبات العربية من لبنان، وتحول الحلم إلى واقع في أبريل 1963 في العاصمة بيروت. شاركت خمسة منتخبات فقط في نسخة التأسيّس، هي: سوريا ولبنان وتونس والكويت والأردن، ضمن دوري مصغر من مرحلة واحدة. وكان الفوز من نصيب المنتخب التونسي، الذي توج بلقب النسخة الأولى بعد تفوقه بنقاطه السبعة. لقد بدأت الرحلة بمشاركة متواضعة، لكنها حملت بذور وحدة عربية عبر الرياضة.
رحلة من التوقف والانطلاق
شهدت البطولة بعد انطلاقتها مباشرة تقلبات كبيرة تعكس ظروف المنطقة:
· النسخة الثانية (1964) أقيمت في الكويت، وفاز بها العراق لأول مرة.
· النسخة الثالثة (1966) انتقلت إلى بغداد، وحافظ فيها المنتخب العراقي على لقبه.
بعد هذه النسخ الثلاث الأولى،دخلت البطولة في سُبات طويل استمر قرابة 20 عامًا، لتعود مجددًا في عام 1985، وتستمر بعدها في عقد نسخ متفرقة حتى 2012، والتي كانت آخر نسخة ينظمها الاتحاد العربي لكرة القدم قبل أن ينتقل التنظيم إلى الفيفا.
سجل الأبطال والأماكن
عبر تاريخها، توجت ستة منتخبات فقط بلقب كأس العرب، وهو دليل على شراستها التنافسية. يتصدر المنتخب العراقي قائمة الأكثر تتويجًا بأربعة ألقاب, بينما فازت السعودية مرتين، وفازت تونس ومصر والمغرب والجزائر بلقب واحد لكل منها.
أما فيما يخص الاستضافة، فقد تنقلت البطولة بين سبع دول عربية. استضافت السعودية والكويت البطولة مرتين، بينما استضافت كل من لبنان والعراق والأردن وسوريا وقطر مرة واحدة.
قطر 2025: إرث المونديال يُحيي التاريخ
اليوم، ونحن نعيش أجواء النسخة الحادية عشرة من كأس العرب في قطر, لا نشهد حدثًا رياضيًا عابرًا فحسب، بل نرى تتويجًا لرحلة طويلة. هذه النسخة، التي ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) للمرة الثانية, تُقام على نفس الملاعب التي شهدت أمجاد كأس العالم 2022، وكأن إرث المونديال العالمي يُحيي تراث البطولة العربية.
من خمسة فرق في بيروت إلى 16 منتخبًا في الدوحة، ومن تنظيم محلي إلى تنظيم عالمي، تظل فكرة كأس العرب هي نفسها: كرة القدم لغة مشتركة تجمع الشتات العربي تحت راية واحدة. إنها أكثر من بطولة؛ إنها ذكرى متجددة، وحلم قديم يكتسي بألقاب الحداثة في كل دورة.

شاركنا برأيك !