لم تكن تلك الصرخة التي ارتفعت مع صافرة النهاية في لوسيل مجرد إعلان عن تتويج جديد. كانت خاتمة لحلم، ونهاية لفصل لا يُنسى من تاريخ الكرة. كأس العالم 2022 لم يكن مجرد بطولة؛ كان حالة إنسانية عاشها العالم بأسره على أرض قطر. واليوم، ومع انطلاق كأس العرب 2025 على نفس الأرض، نجد أنفسنا نعبر جسرًا زمنيًا عاطفيًا، نعود فيه إلى تلك الأجواء بكل تفاصيلها الحية.
كأس العرب 2025، الذي ينطلق من الأول إلى الثامن عشر من ديسمبر، ليس حدثًا جديدًا منفصلاً. إنه الوريث الشرعي، والجزء الثاني من الملحمة. إنه الدليل الحي على أن إرث كأس العالم 2022 لم يكن مجرد منشآت من الإسمنت والحديد، بل كان روحًا تنظيمية وأجواءً إنسانية استثنائية، ها هي تعود اليوم بحلة عربية.
الملاعب.. تحكي القصة ذاتها
ما إن تطأ قدمك أحد الملاعب التي تستضيف مباريات البطولة، حتى تستقبلك الذكريات. إنها الملاعب نفسها التي شهدت أمجاد المنتخبات العالمية قبل ثلاث سنوات. فالبطولة تُقام في ستة ملاعب، جميعها مستخدمة في كأس العالم 2022. إنه الاختيار الذكي الذي حوّل المشاعر من "زيارة" إلى "عودة".
هنا، في استاد 974 المصنوع من حاويات الشحن، لا تزال رائحة التاريخ تنبعث. هناك، في الملعب الذي حصل على تصنيف الخمس نجوم للاستدامة، تذكرك المقاعد بنفس الجماهير المتحمسة. إنها جغرافيا المشاعر ذاتها، تُعاد كتابة تاريخها بأقدام لاعبي الوطن العربي.
الأجواء.. النسخة الأصلية تعود
الحديث عن مليون مشجع يتدفقون إلى المدرجات ليس رقمًا إحصائيًا فحسب. إنه تكرار للمشهد المليوني الذي اعتدنا عليه في 2022. ساحات المشجعين، الفعاليات الثقافية، وامتزاج الهويات العربية تحت سقف واحد من الشغف، كلها تفاصيل أعادت قطر إنتاجها ببراعة.
لقد نجحت البطولة في تحويل المدن إلى مسرح مفتوح للاحتفال، حيث تتحول كرة القدم إلى تجربة متكاملة. هذا التنظيم السلس، الذي يجعل التنقل بين الملاعب المختلفة أمرًا يسيرًا، هو نفس "السر" الذي جعل مونديال 2022 استثنائيًا. الجماهير التي تحضر أكثر من مباراة في اليوم الواحد تعيش اليوم نفس امتياز المونديال.
الإرث.. ليس بناءً فحسب، بل استمرارية
عندما تحدثت قطر عن "إرث" كأس العالم، لم تكن تعني المتاحف فقط. لقد عنت نظامًا متكاملًا أثبت قدرته على استضافة أكثر من بطولة كبرى بسلاسة تنظيمية نادرة. كأس العرب 2025 هو البرهان العملي على أن هذا الإرث "حي يُرزق".
إنه إرث الاستدامة الذي تحول من "كأس العالم الخضراء" إلى "كأس العرب الأكثر خضرة". وهو إرث الروح الوحدوية، حيث تنجح كرة القدم في أن تكون جسرًا يجمع المشجعين من مختلف الجنسيات تحت مظلة الهوية العربية المشتركة.
ليست نهاية، بل حلقة جديدة
كأس العرب 2025 أثبت، وبقوة، أنه لم يعد مجرد بطولة إقليمية. لقد تحول إلى مشهد كروي شامل يُشبه كأس العالم في تفاصيله وروحه التنافسية. إنه العرس العربي الذي يحمل نكهة عالمية.
اليوم، ونحن نتابع منافسات هذه البطولة، لا نشاهد كرة قدم فحسب. نعيش، ولو للحظات، العودة إلى ذكريات كأس العالم 2022. نعود إلى تلك الليالي الحالمة تحت أضواء الملاعب القطرية. نعود إلى لحظات الوحدة الإنسانية التي صنعتها الكرة.
قطر، بهذه الاستضافة المتقنة، لا تذكرنا بالماضي الجميل فحسب، بل تصنع لنا حاضراَ لا يقل جمالاً. وكأنها تقول للعالم: "تعالوا، فذكريات 2022 لا تزال دافئة، وأجواء المونديال لم تغب بعد". وهذه، perhaps، هي أجمل هدية يمكن أن تقدمها الرياضة للروح الإنسانية.

شاركنا برأيك !