كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب: بين التتويج التاريخي وتحديات التنظيم والاحتكار

توج المنتخب المغربي بطلاً لكأس الأمم الإفريقية 2025 على أرضه وبين جماهيره، محققاً إنجازاً تاريخياً هو الثاني في سجله بعد انتصاره في نسخة 1976. إلا أن هذه النسخة الاستثنائية من البطولة تركت وراءها إرثاً معقداً، جمع بين الإبهار التنظيمي وحُسن الضيافة من جهة، وبين انتقادات لاذعة حول حقوق البث والجوانب اللوجستية من جهة أخرى. هذه المقالة تحاول تقديم قراءة متوازنة وشاملة لأبرز محطات البطولة.

الإرث الإيجابي: معايير جديدة للاستضافة الإفريقية

بدون شك، نجح المغرب في رفع سقف التوقعات لما يمكن أن تقدمه استضافة إفريقية لكأس الأمم.

· بنية تحتية عالمية: استفادت البطولة بشكل كبير من الاستثمارات الضخمة التي سبقتها في الملاعب والبنية التحتية للنقل والإيواء. الملاعب في الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس ومراكش وأكادير قدمت تجربة مشاهدة مريحة وآمنة للجماهير، وهو ما انعكس إيجاباً على الأجواء داخل المدرجات.

· التنظيم السلس والأمن: تميزت البطولة بدرجة عالية من الاحترافية في الجوانب التنظيمية والإدارية. نقل الفرق والمسؤولين تم بسلاسة، وحظيت التدابير الأمنية المشددة بإشادة واسعة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) والوفود المشاركة، مما ضمن سير المباريات دون حوادث تذكر.

· الحماس الجماهيري غير المسبوق: حققت البطولة أرقاماً قياسية في عدد التذاكر المباعة والحضور الجماهيري. لم يقتصر الأمر على تشجيع الجمهور المغربي، بل تجاوزه ليشهد إقبالاً كبيراً من مشجعي المنتخبات الأخرى، مما خلق أجواء احتفالية قلّ نظيرها في تاريخ البطولة.

الوجه الآخر: إخفاقات وانتقادات

رغم كل هذا التألق، واجهت البطولة عدة انتقادات كانت موضوعاً للنقاش الإعلامي والجماهيري طوال فترة انعقادها.

1. احتكار "بي إن سبورتس" وحرب المشاهدة

ربما كان أكبر ملف شائك هو قضية حقوق البث الحصرية التي حصلت عليها شبكة "بي إن سبورتس" القطرية. وقد أدى هذا الاحتكار إلى:

· حرمان جماهير عريضة من المشاهدة المجانية: تقليدياً، كانت المباريات المهمة تذاع على قنوات وطنية مفتوحة، مما يضمن وصولها لأكبر شريحة ممكنة. حصر البث بمنصة اشتراك مدفوعة تسبب في إقصاء ملايين المشجعين الذين لا يستطيعون تحمل هذه التكاليف.

· ردود فعل غاضبة عبر وسائل التواصل: تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للتعبير عن الاستياء، مع حملات هاشتاغ واسعة طالبت بـ"تحرير" البث. وقد عبّر العديد من المشاهير والإعلاميين عن خيبة أملهم من تحويل مناسبة جماهيرية إلى "منتج تجاري" بحت.

· تأثير سلبي على الروح الجماعية: بطولة مثل كأس الأمم هي مناسبة لإحياء الروح الوطنية والوحدة الاجتماعية في البلدان الإفريقية. ويجادل الكثيرون بأن احتكار البث يضعف هذه الروح ويقلص قاعدة المشاهدة.

2. تحديات لوجستية وتذمر من بعض الوفود

على الرغم من التنظيم الجيد بشكل عام، تم تسجيل بعض الملاحظات السلبية:

· تكاليف الإقامة المرتفعة: اشتكت بعض البعثات، خاصة للمنتخبات الأقل ثراءً، من ارتفاع أسعار الفنادق خلال فترة البطولة، مما شكل عبئاً على ميزانياتها.

· توزيع المباريات والتنقل: أثار جدول المباريات وكثافة التنقل بين المدن التي تفصلها مسافات كبيرة بعض التذمر من قبل فرق معينة، التي شعرت بأن البرنامج لم يكن متوازناً تماماً من الناحية اللوجستية.

قراءة في المسار الرياضي وأبرز اللحظات

كانت البطولة منافسة على أعلى مستوى، جمعت بين بروز نجوم جدد وصعود مفاجئ لفرق وانهيار آخرين.

· المغرب: التتويج المستحق: قدّم المنتخب المغربي، تحت قيادة المدرب وليد الركراكي، كرة قدم متطورة ومنظمة. اعتمد الفريق على خط دفاعي منيع لم تهتز شباكه سوى في حالات نادرة، وخط هجومي ثاقف قاده سفيان بوفال وعمر السنوسي. كان الفوز في النهائي تتويجاً لمسيرة كاملة من السيطرة.

· أبرز المفاجآت: كان خروج حامل اللقب ساحل العاج من دور المجموعات صدمة كبيرة، كما فشل منتخب قوي مثل السنغال في تلبية التوقعات. من ناحية أخرى، قدم منتخبا الكونغو الديمقراطية و الرأس الأخضر عروضاً رائعة وطموحة، مثبتين أنهما قوتان لا يستهان بهما.

· نجوم يتألقون: برز المغربي سفيان بوفال كأحد أفضل لاعبي البطولة، إلى جانب حارس مرمى جنوب إفريقيا رونوين ويليامز، والمهاجم الكاميروني فنسان أبو بكر الذي قدم مستوى متميزاً.

الخلاصة: استضافة ناجحة بوجهين

تُختصر كأس أمم إفريقيا 2025 بأنها كانت نسخة ذو وجهين. من الناحية الرياضية والتنظيمية الملموسة، كانت تجربة ناجحة بامتياز، تثبت أن المغرب والقارة الإفريقية قادران على تنظيم منافسات عالمية المستوى. لقد وضعت معايير جديدة للاستضافة ستشكل تحدياً للدول المنظمة في المستقبل.

لكن من ناحية أخرى، يبقى الظل الأكبر هو قضية احتكار البث. هذا الاحتكار يطرح أسئلة جوهرية حول روح الرياضة الجماهيرية والتوازن بين الجوانب التجارية والحق الأساسي للجماهير في المتابعة. لعل الدرس الأهم من هذه الدورة هو أن نجاح أي بطولة لا يُقاس فقط بجودة الملاعب وتنظيم المباريات، بل أيضاً بقدرتها على الوصول إلى قلوب وعيون كل مشجع، بغض النظر عن وضعه الاقتصادي.

ما هو تقييمك الشخصي لنسخة المغرب 2025؟ وهل تعتقد أن الجوانب الإيجابية تفوق السلبيات أم العكس؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -