في خطوة غير مسبوقة، قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلغاء مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العرب 2025 بين المنتخبين السعودي والإماراتي. كان من المقرر أن يُقام اللقاء يوم الخميس 18 ديسمبر/كانون الأول 2025 على استاد خليفة الدولي في الدوحة. لكن الأحوال الجوية العاصفة رسمت نهاية مختلفة، لتتحول المباراة إلى حالة دراسية في كيفية إدارة الأزمات وتطبيق اللوائح تحت ضغط الظروف الطارئة.
القرار الرسمي: السلامة أولاً
أعلن فيفا بشكل رسمي إلغاء المباراة، معللاً ذلك بـ "الأحوال الجوية السيئة والعواصف الرعدية" التي ضربت محيط الاستاد المستضيف. وأكد البيان الرسمي أن القرار اتُخذ من قبل حكم المباراة، التشيلي كريستيان غاراي، حرصًا على سلامة اللاعبين والمشجعين وجميع العاملين داخل المنشأة الرياضية، وذلك على الرغم من احتفاظ الاستاد بجاهزيته التشغيلية الكاملة وكون أرضية الملعب في حالة فنية جيدة.
محاولات إنقاذ فاشلة ورفض مدربي الفريقين
لم يكن القرار مفاجئًا، بل تَلَته سلسلة من المحاولات الحثيثة لإنقاذ الموقف:
· بعد نهاية الشوط الأول بالتعادل السلبي (0-0)، تأثرت أرضية الملعب بشدة بالأمطار الغزيرة.
· قام الحكم ومراقب المباراة بتمديد فترة التوقف مرتين، كل منهما لمدة 30 دقيقة، على أمل تحسن الأجواء.
· انخرط ما يقرب من 100 عامل صيانة في عمليات شفط المياه المتجمعة على أرضية الملعب لأكثر من ساعتين ونصف.
· على الرغم من هذه الجهود المكثفة، بقيت أجزاء كبيرة من أرضية الملعب غير صالحة للعب، مما يشكل خطرًا حقيقيًا على سلامة اللاعبين من الإصابات.
عندما اقترح المسؤولون استئناف اللعب، تصدى لهذا الاقتراح كلا المدربين بقوة:
· أولاريو كوزمين، مدرب الإمارات.
· هيرفي رينارد، مدرب السعودية.
رفض الثنائي استكمال المباراة، واتخذوا موقفًا موحدًا بضرورة حماية لاعبيهما أولاً وقبل كل شيء. كان هذا الموقف الحاسم من المدربين هو العامل الأبرز الذي عجّل باتخاذ قرار الإلغاء النهائي.
فراغ تنظيمي: ماذا تفعل عندما لا يوجد نص صريح؟
ألقى هذا الموقف الضوء على ثغرة تنظيمية مهمة. كشفت التقارير أن لائحة مسابقة كأس العرب لا تحتوي على بند واضح يحدد الإجراءات الواجب اتباعها في حالة إلغاء مباراة تحديد المركز الثالث بسبب عوامل خارجة عن الإرادة مثل الطقس. هذا الفراغ خلق حالة من التكهنات حول كيفية تسوية المركز.
السيناريوهات المطروحة قبل القرار النهائي
· إجراء قرعة: وهو الاحتمال الذي رجحته بعض المصادر الإعلامية كحل سريع وعادل.
· الترجيح حسب الأداء في نصف النهائي: حيث كان هناك احتمال أن يُمنح المركز الثالث للسعودية لأنها خسرت في نصف النهائي أمام الأردن بهدف نظيف (1-0)، بينما خسرت الإمارات أمام المغرب بثلاثة أهداف نظيفة (3-0).
· تأجيل المباراة وإقامتها لاحقًا: وهو سيناريو تم استبعاده عمليًا لأن البطولة كانت على وشك الاختتام بمباراة النهائي بين الأردن والمغرب في المساء نفسه.
جوهر الجدل: مصير الجوائز المالية
أثار القرار تساؤلات كبيرة حول مصير الجائزة المالية للمركز الثالث، خاصة في نسخة قياسية من البطولة بلغت قيمة جوائزها الإجمالية 36.5 مليون دولار، وهي الأعلى في تاريخ المسابقة. وكانت جائزة المركز الثالث تُقدر بـ 2.86 مليون دولار.
الحل النهائي: قرار فيفا العادل
بناءً على اللوائح المعتمدة، أصدرت لجنة منتخبات الرجال في فيفا القرار التالي لتسوية الموقف:
1. اعتبار المباراة منتهية بالتعادل 0-0، وهو نتيجة الشوط الأول الذي تم إكماله فعليًا.
2. تقاسم المركز الثالث بين المنتخبين مناصفة.
3. تجميع إجمالي قيمة الجوائز المالية المخصصة للمركزين الثالث والرابع.
4. توزيع المبلغ الإجمالي بالتساوي بين المنتخبين المشاركين.
هذا القرار يعني أن كلاً من المنتخب السعودي والإماراتي سيحصل على نفس المبلغ المالي، وهو حل عملي تلافى التمييز بين الفريقين في ظروف استثنائية خارجة عن إرادتهم.
درس في الأولويات
في النهاية، يبقى إلغاء مباراة المركز الثالث بين السعودية والإمارات في كأس العرب 2025 حدثًا لافتًا، يُسجل في سجلات كرة القدم ليس لنتيجته الرياضية، بل للدروس الإدارية والأخلاقية التي قدمها.
القرار أكد أن سلامة الإنسان – لاعبًا كان أو مشجعًا أو عاملًا – هي القيمة العليا التي لا يمكن المساومة عليها، حتى لو كان الثمن هو إلغاء مباراة مهمة في بطولة دولية. كما كشف عن أهمية وجود لوائح شاملة وواضحة تستطيع التعامل مع كل السيناريوهات، بما فيها تلك التي تبدو استثنائية.
بينما يترك المنتخبان أرض الملعب دون خاسر أو فائز، يخرج المشجعون والعالم الرياضي بفائز وحيد لا خلاف عليه: مبدأ "السلامة أولاً".

شاركنا برأيك !